ابن الجوزي
91
صيد الخاطر
لا بحقيقة ذاته فان قال قائل : فما السر في كتم هذه الأشياء ؟ قلت : لأن النفس ما تزال تترقى من حالة إلى حالة فلو اطلعت على هذه الأشياء لترقت إلى خالقها ، فكان ستر ما دونه زيادة في تعظيمه ، لأنه إذا كان بعض مخلوقاته يعلم جملة فهو أجل وأعلى ، ولو قال قائل : ما الصواعق ؟ وما البرق ؟ وما الزلازل ؟ قلنا : شيء مزعج ويكفي . والسر في ستر هذا أنه لو كشفت حقائقه خف مقدار تعظيمه ، ومن تلمح هذا الفصل علم أنه فصل عزيز فإذا ثبت هذا في المخلوقات ، فالخالق أجل وأعلى . فينبغي أن يوقف في اثباته على دليل وجوده ، ثم يستدل على جواز بعثه رسله ، ثم تتلقى أوصافه من كتبه ورسله ، ولا يزاد على ذلك . ولقد بحث خلق كثير عن صفاته بآرائهم فعاد وبال ذلك عليهم ، وإذا قلنا ، انه موجود ، وعلمنا من كلامه أنه سميع ، بصير ، حي ، قادر ، كفانا هذا في صفاته ، ولا نخوض في شيء آخر . وكذلك نقول : متكلم والقرآن كلامه ، ولا نتكلف ما فوق ذلك ، ولم يقل السلف تلاوة ومتلو ، وقراءة ومقروء ، ولا قالوا استوى على العرش بذاته ، ولا قالوا ينزل بذاته « 1 » ، بل أطلقوا ما ورد من غير زيادة . وهذه كلمات كالمثال فقس عليها جميع الصفات ، تفز سليما من تعطيل ، متخلصا من تشبيه . 44 - غفلة الخلق رأيت أكثر الخلق في وجودهم كالمعدومين ، فمنهم من لا يعرف الخالق ، ومنهم من يثبته على مقتضى حسه ، ومنهم من لا يفهم المقصود من التكليف . فترى المتوسمين بالزهد يدأبون في القيام والقعود ، ويتركون الشهوات ، وينسون ما قد أنسوا به من شهوة الشهرة ، وتقبيل الأيادي . ولو كلم أحدهم لقال : « ألمثلي يقال هذا ؟ ومن فلان الفاسق ؟ » فهؤلاء لا يفهمون المقصود . وكذلك كثير من العلماء ، في احتقارهم غيرهم ، والتكبر في نفوسهم ، فتعجبت كيف يصلح هؤلاء لمجاورة الحق ، وسكنى الجنة ؟ فرأيت أن الفائدة في وجودهم في الدنيا ، تجانس الفائدة في دخولهم الجنة ، فإنهم في الدنيا بين معتبر به ، يعرف عارف اللّه سبحانه نعمة اللّه
--> ( 1 ) هذا هو الحق ، ومن أراد اتباع السلف آمن بما جاء من عند اللّه على مراد اللّه ففوض ، وأول ما لا يفهمه العربي إلا مؤولا . وشرح هذا في كتابي ( تعريف عام بدين الإسلام ) .